< قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الفقه

38/01/30

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مسألة(26) الغش - المكاسب المحرمة.

وفيه:- إن هذا المقدار لا يدل على التوثيق ، نعم اعتناء الامام بحاله ووصف الدواء له غاية ما يدل عليه أن الامام يكنّ الحبّ والمودّة للجميع أما أنه ثقة فهذا لا يمكن استكشافه ، أجل في نقل الكشي وردت تتمة وهي:- ( يخفّ عليك أن تذهب لقضاء بعض حوائجنا فأرسله إلى بلاد الشام ) ، فهذا يمكن أن يستشفَّ منه التوثيق إذ كيف يرسل العاقل شخصاً لا يثق بصدقه في أقواله فإنّ هذا لا يبعد استفادة التوثيق منه.

إلا أنَّ المشكلة هي أنَّ الراوي للرواية هو نفس موسى بن بكر فكيف نثبت وثاقته من خلال نقله هو ، وهذا أيضاً يرد حتى على الأوّل - يعني أنه إذا أردنا أن نستفيد من وصف الامام له الكباب واعتناءه به فإنه من قال إنَّ الامام اعتنى به فإنه هو الذي ينقل ذلك وهذا دورٌ واضح -.

إذن الوجه الأوّل لا يمكن التمسّك به.

الوجه الثاني:- ما رواه الشيخ الكليني:- ( حميد بن زياد[1] عن الحسن بن محمد بن سماعة[2] قال:- دفع إلي صفوان كتاباً إلى لموسى بن بكر فقال لي:- هذا سماعيل من موسى بن بكر وقرأته عليه فإذا فيه موسى بن بكر عن علي بن سعيد عن زرارة ، قال:- هذا ما ليس فيه اختلاف عند أصحابنا عن أبي عبد الله وعن أبي جعفر عليهما السلام أنهما سألا .... )[3] .

والمهم هو عبارة ( قال:- هذا مما ليس فيه اختلاف عند أصحابنا ) ، ومن هو فاعل ( قال ) فهل هو صفوان أو أن موسى بن بكر هو الذي يتكلّم هذا الكلام ؟

فإن أرجعناه إلى صفوان فسوف نستفيد منه لأنَّ صفوان سوف يقول ( هذا ليس مما فيه اختلاف عند أصحابنا ) ، فصفوان هنا يشهد بأنَّ هذا الكتاب والروايات المسجّلة فيه ليس فيها اختلاف عند أصحابنا ، أما إذا قلنا يحتمل رجوع ( قال ) إلى موسى بن بكر لأنه في البداية قال ( فإذا فيه موسى بن بكر عن علي بن سعيد عن زرارة قال هذا من ... ) فكون زرارة يقول ذلك لا معنى له ، لكنه ضعيفٌ إذ أوّلاً:- لأنَّ الحديث هو لصفوان والحديث والضمائر كلّها كانت كان لصفوان فإرجاع ( قال ) إن موسى بن بكر مخالف للظاهر ، وثانياً:- لماذا تكررت ( قال ) ؟ من المناسب أن يكون تكرارها لأجل أنَّ المتحدث هو صفوان أما إذا كان المتحدّث هو موسى بن بكر فالمناسب أن يذكر من دون كلمة ( قال ) فيصير الكلام ( فإذا فيه موسى بن بكر عن عليّ بن سعيد عن زرارة وهذا مما ليس فيه اختلاف ) ، وكلمة ( قال ) لا داعي إليها ، فالظاهر أن فاعل ( قال ) هو صفوان ، فإذا ثبت أنَّ القائل هو صفوان فسوف يثبت أنّ هذه الروايات ليس فيها اختلاف ، وهنا نحتاج تتمّة لإثبات وثاقة موسى بن بكر وهي أحد أمرين ، الأوّل أن نقول:- إذا كان الكتاب ليس فيه اختلاف فالمهم أنّ رواياته ليس فيها اخلاف يعني أنَّ الكلّ يأخذ بها فالنقل دائماً عن موسى بن بكر سوف يصير معتبراً لأنَّ كتابه معتبر والمفروض أنه لا يوجد عنده شيء آخر حتى يقال لعلَّ النقل من خلال ذلك الشيء الآخر ، كلا بل المنقول هو أنه عنده كتاب واحد فقط وإذا كان هذا الكتاب ليس فيه اختلاف فإذن لا مشكلة من هذه الناحية.

أو يقال:- إنَّ عدم الاختلاف في حقانية الروايات هو بنفسه فيه دلالة على أنَّ هذا الرجل مقامه مقام شامخ وإلا كيف لا يقع الخلاف بالأخذ برواياته.

وهذا وجه لا بأس به ، ولكن يبقى أنك يلزم أن تستظهر ما أشرت إليه من أنَّ فاعل ( قال ) هو صفوان.

الوجه الثالث:- ولعله أحسن الوجوه ، وهو أن يقال:- إنه مادام صفوان يروي عنه والمفروض أنَّ صفوان من أحد الثقاة الثلاثة فإذن سوف تثبت وثاقته من خلال رواية صفوان عنه ، بل ويمكن اثباتها من خلال رواية ابن أبي عمير ، لأننا نقلنا سابقاً طريقاً للشيخ إلى موسى بن بكر في الفهرست حيث قال ( ابن أبي جيد عن ابن الوليد عن الصفّار عن إبراهيم بن هاشم عن ابن أبي عمير عنه ورواه صفوان عنه ) ، يعني يروي اثنان ، فالشيخ يقول صفوان والمفروض أننا اثبتناه من رواية الكليني ، أما أن ابن أبي عمير ينقل عنه فلأنَّ الشيخ في هذا الطريق يقول ( عن ابن أبي عمير عنه ) ، فإذن ابن أبي عمير ينقل عنه وكذلك صوفان ينقل عنه فلا مشكلة من هذه الناحية.

أجل تبقى قضية جانبية:- وهي أنَّ بداية السند هو ابن أبي جيّد وهو علي بن أحمد بن أبي جيّد وهو لم يرد في حقّه توثيق ، وهو قد ورد في بداية الطرق كثيراً فينقل عنه النجاشي ، فهو شيخ للنجاشي وشيخ للشيخ الطوسي فإذا لم نوثّقه فسوف نقع في مشكلة وهي سقوط الكثير من الروايات عن الاعتبار - وأنا أريد بيان واقع ولا أريد أن أقول يلزم أن نوثّقه من دون تدقيق لكي لا تسقط الروايات عن الاعتبار كلا فإنَّ هذا ليس هو المقصود بل أريد بيان واقع وهو أنَّ هذا الشخص يستحقّ أن يبحث عنه لأنه ورد في بداية طرق كثيرة لأصولنا فينقل النجاشي والشيخ الطوسي بواسطته - ، ومن الواضح أنه إذا بنينا على أنَّ مشايخ الاجازة المعروفين مثل أغا بزرك الطهراني والسيد شهاب الدين المرعشي النجفي فنفس كونهم من مشايخ الاجازة وهذا يرجع إليهم وذاك يرجع إليهم في أخذ الاجازة منهم إذا قلنا هذا يدلّ على الوثاقة وعظم المكانة فبها ونعمت ونحن في راحة كما نميل نحن إليه.

وأما إذا لم نبنِ على ذلك فهل هناك من طريق ؟ يمكن أن يقال:- إنَّ هذا الرجل هو من مشايخ النجاشي ومشايخ النجاشي كلّهم من الثقاة لشهادةٍ يمكن أن تستفاد من نفس النجاشي ذكرها في أكثر من موضعٍ من كتابه ، فإنه مثلاً ذكر في ترجمة أحمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسن الجوهري ما نصّه:- ( رأيت هذا الشيخ وكان صديقاً لي ولوالدي وسمعت منه شيئا كثيراً ورأيت شيوخنا يضعّفونه فلم أرو عنه شيئاً وتجنبته )[4] ، وهذا يستفاد منه أنه مادام الشخص يضعّف فانا أتجنّب الرواية عنه - يعني لا أروي عنه بالمباشرة - ، وهذه صفة إيجابية بأنّه يروي فقط وفقط عن الثقاة - والصفة السلبية أن يروي عن أي شخص كان - ، ونظير هذه العبارة ما ذكره في ترجمة محمد بن عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن البهلول قال:- ( وكان في أوّل أمره ثبتاً ثم خلط ورأيت جُلّ أصحابنا يغمزونه ويضعّفونه .... رأيت هذا الشيخ وسمعت منه كثيراً ثم توقّفت عن الرواية عنه إلا بواسطةٍ بيني وبينه )[5] ، وهذا فيه دلالة على ما يراد.

والمورد الثالث ما ذكره في ترجمة جعفر بن محمد بن مالك حيث قال ما نصّه:- ( كان ضعيف الحديث . قال أحمد بن الحسين كان يضع الحديث وضعاً ويروي عن المجاهيل وسمعت من قال كان أيضاً فاسد المذهب والرواية ولا أدري كيف روى عنه شيخنا النبيل الثقة أبو علي بن همام وشيخنا الجليل الثقة أبو غالب الزراري )[6] ، وهذا أيضاً فيه دلالة واضحة على ذلك .

ولعلّه بالتتبع تجد موارد أكثر ، ومن أجل هذا صار إلى ذلك بعضٌ كالشيخ البهائي والسيد بحر العلوم على ما نسب اليهما الشيخ عبد الله المامقاني[7] ، وممن اختار ذلك من المتأخرين السيد الخوئي(قده) ، وهو شيء وجيه.

إن قلت:- إنَّ غاية ما تدل عليه العبارات المذكورة أنَّ من ضعَّفه وغمزه الأصحاب لا يروي عنه النجاشي أمّا المجهول فمسكوتٌ عنه فلعلّه يروي عن المجهول وهو فقط يتجنّب الرواية عمّن غُمِز وضُعِّف ، وعلى هذا الأساس لا يمكن الاعتماد على رواية النجاشي إذ لعلّه مجهولٌ وهو يتحرّز في النقل عمّن ضُعّف وغُمِز لا من كان مجهولاً.

ويردّه:-

أوّلاً:- هذا تساير مع الألفاظ ، أما إذا ذهبنا إلى ما وراء الألفاظ وعصنا في الروح فنقول لماذا هو لا يروي عمَّن غُمِز ؟ لأنه نقله ليس بحجّة ، والمجهول كذلك ، فلا فرق من هذه الناحية ، فأنت إذا كنت تتحرّز عن النقل عن شخصٍ لا حجّية لكلامه فحينئذٍ من المناسب أن لا تنقل عن المجاهيل إذ لا فرق من هذه الناحية ، خصوصاً وأنَّ النقل عن المجاهيل عند القدماء كالنقل عن الضعفاء حيث يعدّون هذا مثلبة وسلبية فيقولون هو يروي عن المجاهيل والضعفاء فيعطفون المجاهيل والضعفاء أحدهما على الآخر ، ونحن أيضاً كذلك ، يعني أنَّ الذي ينقل عن الضعفاء والمجاهيل تُعدّ هذه نقطة سلبية في حقّه.

ثانياً:- من البعيد أن تنقل عن شيخٍ كثيراً ورغم ذلك يبقى مجهولاً ؟! إنَّ هذا بعيد جداً ، كما لو كان يوجد شخصٌ الآن في الحوزة العلمية وهو يُدرِّس لفترة معيّنة فهو استاذ لهذا وأستاذ لذاك فهل يبقى هذا الشخص مجهولاً ؟!! إنَّ هذا شيءٌ بعيدٌ جداً.

إذن هذا طريق جيّد ، ولكن قلنا نحن في غنىً عن ذلك لأنَّ شيخوخة الاجازة كافية عندنا.

هذا كلّه من حيث ورايات المسألة وقد اتضح أنَّ الأصحاب ذهبوا إلى حرمة الغش بلا كلام ، والروايات ولو واحدة وهي رواية هشا بن الحكم وهي الرواية الأولى هي كافية في إثبات المطلوب ، أما بقيّة الروايات وأنه فيها دلالة أو لا فذلك ليس بالشيء المهم.

ثم إنه توجد عدّة نقاط في هذا المجال:-

النقطة الأولى:- هل الغش بعنوان محرّمٌ ؟

والجواب:- المعروف بين الفقهاء أنَّ الغش حرام وظاهر ذلك أنه بعنوانه حرام.

بيد أنَّ الميرزا حاج علي الايرواني[8] ذهب إلى أنّ الغش بعنوانه ليس بحرام إنما الحرام أمران الكذب والتصرّف في مال الغير من دون رضاه والغشّ حرامٌ من هاتين الناحيتين وإلا فهو بعنوانه ليس بحرام ، ولم يوضح(قده) ما المقصود من الكذب فهو قال من حيث الكذب هو حرام ، ولعله من جهة أنه حينما يقدم السلعة وهو مؤمن والمؤمن لا يفعل الغش فظاهره أنه حينما يقدمها له فهي ليست مغشوشة فحينما يظهر أنها مغشوشة فهذا نحو من الكذب ، ومن الواضح أنَّ هذا ليس كذباً لفظياً ولكنه كذبٌ عملي وهو أشد سلبية ، مثل شخص يظهر التقدُّس ولكنه حينما يذهب إلى البيت أو غيره يفعل خلاف ذلك فهذا كذب في مقام العمل فلعلّ الحاج ميرزا علي يقصد هذا المعنى وإلا لا أفهم توجيهاً آخر لما ذكره.

وأما انه تصرّف من دون رضا صاحبه فباعتبار ان المشتري دفع الثمن مقابل السليم غير المغشوش أما مقابل المغشوش لا يرضى المشتري بأنَّ يتصرف البائع فيه وهو دفعه للبائع بتخيّل أنه سالم وليس مغشوش فإذن هو لا يرضى بذلك.

ثم استدل بوجهين على أنَّ الغش بعنوان ليس محرّماً وإنما هو حرام لأحد هذين الوجهين:-

الأوّل:- أنَّ ظاهر الروايات ذلك.

والعهدة عليه.

الثاني:- برهان أو دليل السبر والتأمل.


[1] وهو من اهالي نينوى وهو من مشايخ الكليني وهو من الثقاة الأجلة.
[2] وهو ايضاً لا مشكلة فيه.
[7] تنقيح المقال، المامقاني، ج1، ص58.
[8] الحاشية على الكاسب، الميرزا علي الايرواني، ج1، ص174.

BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo