< فهرست دروس

درس فلسفة الأصول - الأستاذ رشاد

35/04/01

بسم الله الرحمن الرحیم

موضوع: الرّأي المختار في الإنشاء والإخبار. (ما هو تمايز کلّ منهما عن الآخَر؟)
1. بما أنّ الألفاظ من سنخ العلامات، فهي آلةٌ لإبراز ما هو هي علامة له وإسفارِه.
2. وماهو متعلَّق الإبراز و ذو العلامة: تارةً خارجي ويوجد في الخارج، و أخری ذهني ويوجَد في الذهن، وثالثة إعتباري فيوجد في وعاء الإعتبار (فلايوجد في الخارج ولا في الذّهن)؛ اللفظة أوالهيأة الحاکية عن الأوّل والثاني والمبرزة لهما تسمّی إخباريّةً، والثّالثة تسمّی إنشائيّة بالمعنی العامّ. فالفرق بين الإخباريّة والإنشائيّة في متعلّهما لا في دورهما الإبرازي.
3. وبما أنّ متعلّقات الإبراز متنوّعة، أختصّت لکلّ منها لفظة أو هيأة خاصة، فکأنّ لکلّ لفظة أو هيأة إثنان مستويان في دورها الإبرازي والدلالي: 1. الإبرازيّة المطلقة وهو مستوي عام مشترک بين کلّها، 2. الدلاليّة علی حالة أو قالة خاصّة غير ما لغيره، وهي الدلالة علی خصوصيةٍ إضافةً علی المبرزيّة الّتي هي دور الألفاظ کلّها المشترک بينها.
4. «الإنشاء» غير «سبب الإنشاء»، وهما غير «آلات إبرازه»، والثلاثة غير «مسبَّبه» والمنشَئ، والأربعة غير الأحکام المترتبة عليه. الإنشاء هو الفعل الإرادي الصّادر عن المُنشِئ، والسبب هو قصد المنشئ لإعتبار الأمر الإعتباري لا اللفظ، وإن شئت فقل هو مبادئ الإرادة نفسها؛ وآلات الإبراز هي الألفاظ أو سائر العلامات الدّالّة عليه کالکتابة أو التعاطي أوالإشارة؛ وللمُبرِز اللفظي يوجَد مستويين: الهيأة والمادّة، ولکلّ منهما حصة أو دور خاص في عمليّة الإبراز؛ والمسبَّب هو مايقع في وعاء الإعتبار من العقود والإيقاعات مثلاً، کالملکيّة و الزّوجيّة والرئاسة مثلاً؛ والأحکام هي مايجري ويترتّب علی المسبَّب من القواعد والضوابط حسب المورد.
5. فهناک واقعية يعبر عنها بالإعتبار والإنشاء، ولکلّ قوم وعند کل امة ادوات خاصة لإبراز هذه الواقعيّة، و نحن معاشر المسلمين تارة نکتفي باللفظة وأخری وفي بعض الأحيان بالعمل و...
و التوضيح إقتباسا عن کلام بعض أساتذتنا (ارشاد العقول إلي مباحث الأصول: ج1، ص73ـ77)، مع إصلاح وتطبيق:
أنّه لا شكّ أنّ الزوجية والملكية والرئاسة اعتبارات اجتماعية، إنّما الكلام في كيفية اعتبارها وانتقال الإنسان الإجتماعي إلى تلك الأُمور الإعتبارية، فنقول : ‌
إنّ سبب الإنتقال إلى اعتبار هذه الأُمور إنّما هو التكوين، مثلاً : ‌
يرى الإنسان في الخارج أمرين مماثلين، كالعينين والأُذنين والرجلين واليدين مثلاً على نحو كلٌّ يدعم الآخر، ومن جانب آخر يلمس الإنسان أنّ بين الرجل والمرأة تحاوجاً وتجاذباً حيوياً وعاطفياً على نحو يُكمل كلّ منهما الآخر في مجالات مختلفة، وهذا ما يدفع الإنسان الإجتماعي إلى اعتبارهما زوجين كالأُذنين، غير انّ زوجية الأُذنين بالتكوين وزوجية الرجل والمرأة بالتنزيل والإعتبار ‌
ثمّ إنّ الزوجية الإعتبارية كالزوجية التكوينية تحتاج إلى عامل يوجدها ويحقّقها، فالعامل المكوِّن للزوجية التكوينية هو خالق الكون، والمكوِّن للزوجية الإعتبارية هو السبب اللإعتباري وهو إرادة من بيده الإعتبار أصالةً أو ولايةً أو وکالةً أونيابةً، فيعلن ويبرز إرادة الإعتبار وقصد تکوّنه ويقول : زوجت هذه بهذا، أو زوجت المرأة المعلومة بالرجل المعلوم، وبذلك يعلن ما اعتبره من الزوجية في عالم الاعتبار وعلى صعيد القانون بحيث يتلقّى العرف كلاً زوجاً للآخر.‌ولايخفی ما من نسيم التکوين في الإرادة لتکوّن المعتبر، فتأمّل!.
ولك أن تجري ذلك البيان في الملكية الاعتبارية، فانّ الإنسان يحسّ من جانب انّه مالك لكلّ عضو من أعضائه ولذلك يضيف الأعضاء إلى نفسه فيقول : يدي و رجلي وعيني وسمعي، وهذه الملكية ملكية تكوينية، ومن جانب آخر انّه يرى نفسه أولى من غيره لما جناه بيده من السمك من البحار والبلوط من الغابات، بل يرى كلّ ما حصّله ببدنه وسائر أعضائه أولى بها من غيرها، ولذلك يخاطب أمير المؤمنين (ع) جنوده ويقول : « فَجَناةُ أيديهم لا تكونُ لغيرِ أفواهِهِم» (نهج البلاغة : الخطبة 232) ثمّ إنّه يحسّ في الحياة الاجتماعية إلى ضرورة التبادل بين ما يرى نفسه أولى به و ما يراه الآخر أولى به، كدفع السمك الذي اصطاده من البحر إلى من يملك الحنطة فيريد التبادل ويقوم بالمبادلة ويعلن هذا القصد بعبارة خاصة فيقول: بعت هذا بهذا، غير انّ الملكية التكوينية تحتاج إلى عامل تكويني ولكنّها في المقام بعامل إعتباري.‌
وبذلك يعلم أنّ عالم الاعتبار عبارة عن تنزيل الفاقد منزلة الواجد، أو تنزيل الموجود الاعتباري منزلة التكويني وأخذ الثاني أُسوة للجعل والإنشاء.‌
ولك أن تجري ذلك البيان في الرئاسة فانّ الرأس يدير البدن تكويناً فالإدارة بما أنّها أمر تكويني منحها اللّه سبحانه هذه المسؤولية إليه هذا من جانب، ومن جانب آخر إذا كان هناك مجتمع لغاية عقلائية فالضرورة تقضي وجود مدير لهم وعند ذلك يعتبره رئيساً، أي يعطي ما للرأس من الحكم التكويني لهذا الإنسان. وينشأ ما اعتبر، ويعلنها ويبرزها بقوله : جعلته حاكماً ورئيساً لكم، وبذلك يتبين انّ عامل الاعتبار كنفس المعتبرات ليس لها في الواقع والخارج مصداق يخصّه ولكن الحياة تدور على هذه المفاهيم الوهمية.‌
فموضوع له الألفاظ الإنشائيّة : هو إبرازيّة صدور السبب عمن له شأنيّة الإنشاء.
إن قلت کما عن بعض أساتذتنا(دام ظلّه) في الملاحظة علی کلام المحقق الخوئي: يرد عليه بأنّه إرجاع للإنشاء إلى الإخبار لقبوله حينئذٍ الصدق والكذب کالإخبار، وهذا هادم لما هو المعروف من أنّ الجملة الإنشائية لا يصحّ وصفها بالصدق أو الكذب! (تنظر: ارشاد العقول إلي مباحث الأصول: ج1، ص74س)
قلت:
أوّلاً: لايلزم ذلک مما قلنا، لأنّ الإخباريّة مبرِزة لما وقع في الخارج والمتکلم قصد الحکاية عنه، فيحتمل فيه الصدق والکذب بمعني إحتمال الإنطباق بالخارج وعدمه، وأما الإنشائيّة فمبرِزة لما أوقعه المتکلم في وعاء الإعتبار وعند علم حضوري له، فلايحتمل فيه الصدق والکذب بمعني الإنطباق بالخارج وعدمه، لأنّه صدر عنه فهو العالم به والمبرِز له؛ وإن کان يحتمل فيه الصدق والکذب بمعني إنطباق الکلام بوعاء الإعتبار التابع لقصده للإعتبار حقيقةً، وعدمه کذلک.
ثانياً: ماذا يلزم من هدم ما هو المعروف في وصف الخبر؟! وربّ غلط مشهور ومعروف يُبدَء غلطه بعد! فيعرض الناس عنه.
ثالثاً: لايخفی عليک ما من الفروق بين ما نقترحه مع ماإختاره المحقق الخوئي(قدّ) في مانحن فيه. ‌

BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo