< فهرست دروس

بحث الفقه الأستاذ محسن الفقیهی

41/08/17

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع: المکاسب المحرمة/الکذب /تعریف الکذب

 

تذنیب

إختلف القائلون بالتعریف الأوّل في أنّ الکذب هو عدم مطابقة ظاهر الکلام مع الواقع، أو الکذب هو عدم مطابقة مراد المتکلّم مع الواقع، أو الکذب هو عدم مطابقة مستعمل فیه مع الواقع.

هنا أقوال:

القول الأوّل: الکذب هو عدم مطابقة ظاهر الکلام مع الواقع

أقول: هو الحق؛ لأنّه مورد بناء العقلاء في المرافعات و الدعاوي و ادّعاء خلاف الظاهر غیر مسموع، إلّا مع وجود القرائن الحالیّة أو المقالیّة. و هکذا في کتب العلماء؛ فظواهر کلماتهم حجّة. و هکذا في القرآن و الروایات الصادرة عن المعصومین(علیهم السلام). هذا کلّه لو لم‌یعلم کون المراد خلاف الظاهر و إلّا فلابدّ من الأخذ بما هو المراد القطعي؛ مثل: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾[1] و أمثاله؛ فإنّ الکلام قد یکون محفوفاً بالقرائن الحالیّة أو المقالیّة المتّصلة أو المنفصلة. و المراد من الظهور هو المنعقد بعد الالتفات إلیها؛ کما في العامّ و الخاصّ و المطلق و المقیّد و أمثالهما.

قال المحقّق الخوئيّ(رحمه الله): «ذهب المشهور إلى أنّ صدق الخبر مطابقته بظهوره للواقع و كذبه عدم مطابقته للواقع».[2]

و قال المحقّق القمّيّ(رحمه الله): «المعتبر في الاتّصاف بالصدق و الكذب هو ما يفهم من الكلام ظاهراً لا ما هو المراد منه».[3]

القول الثاني: الکذب هو عدم مطابقة مراد المتکلّم مع الواقع

قال المحقّق الخوئيّ(رحمه الله): «المعروف بين أهل اللغة و غيرهم أنّ الكذب نقيض الصدق؛ فصدق الكلام بالمطابقة و كذبه بعدم المطابقة و إنّما الكلام في بيان معنى المطابق (بالكسر) - و أنّه عبارة عمّا يظهر من كلام المتكلّم أو عبارة عن مراده منه- و بيان المطابق (بالفتح) و أنّه عبارة عن الواقع و النسبة الخارجيّة أو عن اعتقاد المخبر أو عن كليهما.

و التحقيق أنّ الجمل بأجمعها- خبريّةً كانت أم إنشائيّةً- قد وضعت بهيئاتها النوعيّة لإبراز الصور الذهنيّة و إظهار الدعاوي النفسانيّة؛ فإنّ الواضع إنّما تعهّد- و تابعه بقيّة الناس- بأنّه متى أراد أن يبرز شيئاً من دعاويه و مقاصده أن يتكلّم‌ بجملة مشتملة على هيئة خاصّة تفي بمراده و أداء دعواه في مقام المحادثة و المحاورة و هذه الجهة؛ أعني إبراز المقاصد النفسانيّة بمظهر إنّما هي في مرحلة دلالة اللفظ على معناه الموضوع له، فيشترك فيها جميع الجمل- خبريّةً كانت أم إنشائيّةً- بل يشترك فيها جميع الألفاظ الموضوعة- مفردةً كانت أم مركّبةً. و الوجه فيه أنّ دلالة اللفظ على معناه بحسب العلقة الوضعيّة أمر ضروري، فلا يعقل الانفكاك بينهما في مرحلة الاستعمال إلّا بانسلاخ اللفظ عن معناه بالقرائن الخارجيّة. و هذه الدعاوي النفسانيّة على قسمين:الأوّل: أن تكون أمراً اعتباريّاً محضاً و قائماً بنفس المعتبر بأن يعتبر في نفسه شيئاً، ثمّ يظهره في الخارج بمبرز من لفظ أو غيره من دون قصد للحكاية عن شي‌ء و هذا يسمّى إنشاءً و لا يتّصف بالصدق و الكذب بوجه؛ لأنّه شي‌ء يقوم بالإعتبار الساذج.

الثاني: أن تكون حاكيةً عن شي‌ء آخر؛ سواء كان هذا المحكيّ من القضايا الخارجيّة؛ كقيام زيد في الخارج أم من الأوصاف النفسانيّة؛ كالعلم و الشجاعة و نحوها و هذه الحكاية إن طابقت للواقع المحكي، إتّصفت الدعاوي المذكورة بالصدق و إلّا فهي كاذبة و أمّا اتّصاف الجمل الخبريّة بهما، فمن قبيل اتّصاف الشي‌ء بحال متعلّقة[4] ؛ كرجل منيع جاره؛ فإنّ المراد من المطابق (بالكسر) هو مراد المتكلّم؛ أي الدعاوي النفسانيّة، لا ظهور كلامه و إنّ المراد من المطابق- بالفتح- هو الواقع و نفس الأمر المحكيّ بالدعاوي النفسانيّة».[5]

أقول: صدر کلامه(رحمه الله) في کمال المتانة و التحقیق أنّ الألفاظ وضعت للمعاني العرفیّة و المتفاهم العرفيّ و الوضعيّ هو المعیار في الدعاوي و الکتب و غیرها، کما سبق. و مراد المتکلّم هو ما تدلّ علیه ظواهر الألفاظ مع الالتفات إلی القرائن الحالیّة و المقالیّة المتّصلة أو المنفصلة، إلّا أن یعلم بأنّ المراد خلاف الظاهر و ذلك العلم بحسب القرائن؛ فلایصحّ جعل مراد المتکلّم مقابل الظواهر، بل الظواهر هي مراد المتکلّم قانوناً و عرفاً و عقلاً. و قوله(رحمه الله): «فإنّ المراد من المطابق- بالكسر- هو مراد المتكلّم؛ أي الدعاوي النفسانيّة، لا ظهور كلامه» علی خلاف صدر کلامه(رحمه الله)، حیث قال: «أنّ دلالة اللفظ على معناه بحسب العلقة الوضعيّة أمر ضروري، فلا يعقل الانفكاك بينهما في مرحلة الاستعمال إلّا بانسلاخ اللفظ عن معناه بالقرائن الخارجيّة» و الصحیح کلامه(رحمه الله) في الصدر المنافي لکلامه(رحمه الله) في الذیل و العرف و بناء العقلاء شاهدان علی ذلك في کلّ المقامات. و بهذا تخرج التوریة عن الظواهر و یصیر الکلام کذباً بالتوریة، إلّا إذا صرّح بأنّ المراد خلاف الظاهر و لایقبل کلامه في الدعاوي في المرافعات.

القول الثالث: الکذب هو عدم مطابقة مستعمل فیه مع الواقع

قال الإمام الخمینيّ(رحمه الله): «إنّه لا شبهة في أنّ الكلام بنفسه مع قطع النظر عن صدوره من متكلّم مريد، دالّ على المعنى[6] . فلو نقشت بواسطة الحوادث الكونيّة كلمة «السماء فوقنا» و «السماء تحتنا» فلا يمكن أن يقال: إنّا لا نفهم منهما شيئاً أصلاً أو هما لا يحكيان عن مدلولهما أو يقال: إنّ المدلول منهما شي‌ء واحد أو إنّ مدلولهما ليس موافقاً‌ و لا مخالفاً للواقع، فعليه تكون الجملة الأولى صادقةً و الثانية كاذبةً. و هو أصدق شاهد على عدم الفرق في الدلالة بين الكلام الصادر من متكلّم شاعر و بين الصادر من غيره. مضافاً إلى أنّ الكلام الصادر من المتكلّم لا يحكي إلّا عن الواقع و نفس الأمر مستقيماً من غير دلالة على المعاني الذهنيّة و صورها و هو وجدانيّ جدّاً.

فيكون الصدق و الكذب من صفات الخبر أوّلاً و بالذات و إنّما يتّصف المتكلّم بكونه صادقاً أو كاذباً لأجل إخباره، فلا محالة تكون سعة اتّصافه بالصادق و الكاذب تابعةً لإخباره؛ لعدم إمكان أن يكون الخبر صادقاً و قد أخبر به المتكلّم و مع ذلك لا يكون صادقاً و كذا في الكذب.

و بالجملة الميزان في الكذب و الصدق مخالفة المعنى المستعمل فيه و موافقته للواقع، لا صحّة الاستعمال».[7]

أقول: هذا القول لایخالف القول الأوّل (عدم مطابقة ظاهر الکلام مع الواقع)؛ فإنّ المستعمل فیه هو ظاهر الکلام بعد الالتفات إلی القرائن الحالیّة و المقالیّة المتّصلة أو المنفصلة؛ فإنّ العامّ و المطلق ظاهرة في العموم و الإطلاق قبل الرجوع إلی المخصّص و المقیّد. و بعد وجدانهما ظاهرین في الخاصّ و المقیّد؛ فالمقصود واحد. و التعبیر بالمستعمل فیه أحسن من التعبیر بالظاهر، فإنّ الظاهر قد یشمل الظاهر البدويّ و لکنّ المراد في المقام الظاهر بعد الفحص عن القرائن، کما یقال بناء العقلاء علی حجّیّة الظواهر. و هذا واضح لایحتاج إلی مزید بیان.

 


[4] . الصحیح: متعلّقه.
[6] . أي: مستعمل فیه.

BaharSound

www.baharsound.ir, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo